العودة للخلف

2) حاشية البيقونية - مقدمة الناظم

تاريخ النشر: 12 / 09 / 2026
: 3

مقدمة الناظم

قال الناظم  رحمه الله :

1- أَبْدَأُ بِالحَمْدِ مُصَلِّيًا عَلَى

 

مُحَمَّدٍ خَيرِ نَبِيٍّ ارْسِلَا

2- وَذِي مِنَ اقْسَامِ الحَدِيْثِ عِدَّهْ

 

وَكُلُّ وَاحَدٍ أَتَى وَحَدَّهْ

قوله: (أبدأ بالحمد مصلِّيا على) إنما بدأ بالحمد اقتداء بكتاب الله سبحانه وتعالى وبسُنة رسول الله ﷺ فقد كان النبيُّ ﷺ يبدأ مراسلاته وخُطَبه بالحمد والثناء، واقتداء بالسَّلف الصالحين في كتبهم ومصنفاتهم ومؤلفاتهم.

والبداءة بالحمْد والثناء في الخطبة واجبٌ حتى عدّه بعضُ الفقهاء من أركانها، وفي غيرها واجب أيضا لقول النبي ﷺ: «كُلّ خُطبةٍ لَيْسَ فيْهَا تَشهُّدٌ فهيَ كاليدِ الجذْمَاء» [أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة  رضي الله عنه  وهو في الجامع الصحيح 1098] وهذا يدلّ على التنفير وهو مما يُستفاد منه الوجوب، ويحصل الامتثال بالبسملة.

قال بعضُ شُراح هذا الحديث كالقاري الحنفي: معنى (تشهُّد) أي: حمْد وثناء.

والبداة بالحمد لتحصيل البركة، وأملًا في إتمام ما بدأ به، لأنك تبدأ أي مستعينًا بالله تطلب الإعانة منه تعالى، فأنت تبدأ بالحمد من أجل تطلب الإعانة من الله سبحانه وتعالى كما نقول في {بسم الله الرحمن الرحيم} فالباء للاستعانة وليست للمصاحبة، وإذا رأيتَ بعض الشراح من البلاغيين أو الأصوليين يقول: الباء للمصاحبة فنتبه لعل ذلك نزعة معتزلية، فما عندهم إعانة من الله للعبد، بمعنى شخص أعانه على الطاعة وشخص ما أعانه، ما يرون هذا، يرون أنَّ العبْدَ يخلُق فعلَه، لذلك ما عندهم هذا.

أما أهل السنة وأهل الحق والإسلام فيؤمنون أنَّ الله سبحانه وتعالى يهدي مَن يَشاء فضلًا ويُضل مَن يشاء عدلًا، والله سبحانه يُعين من استعانه {إياك نعبُد وإياك نستعين}، وقال ﷺ: «إذا استعنت فاستعن بالله» [أخرجه الترمذي عن ابن عباس وهو في الجامع الصحيح 26].

قوله: (الحمد) هو ذكر صفات المحمُود مع حُبّه وتعظيمه والتذلُّل له، وضاق النظم عن ذكر المتعلّق، يعني ما قال: (بالحمد لله) هذا أمر.

الأمر الثاني: هذه الصيغة (الحمد لـ كذا) لا تصح إلا لله، لا يصح أن تقول: الحمد لزيد، وقد قرَّر ابنُ القيم ذلك وحكيناه عنه في «حواشي منظومة القواعد الفقهية».

فكَونه قال: (أبدأ بالحمد) أي: الحمد لله سبحانه وتعالى إذ هذه الصيغة لا تصح إلا له وأيضًا النظم يضيق أن يُذكر المتعلّق.

قوله: (مصَلّيًا) هذا حال، أي ومسلِّما، فذكر الصلاة وأشار أيضًا إلى السلام لضيق النظم، لأنَّ الجمع بينهما هو المأمور به في قوله تعالى: {صلُّوا عَلَيْه وسَلِّمُوا تسْلِيمًا}.

قوله: (مصليا على محمد) الصلاة فيها كلام كثير وأحسنها أنها مِن الله: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية الرياحي  رحمه الله  وغيره.

و(محمد) علَم على النبي ﷺ، وأسمائه كثيرة، وأسماء النبي ﷺ أعلام وأوصاف وكونه علمًا هذا واضح، وكونه وصفًا فلأدلة منها ما أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1780) وفيه: «فما اسمِيْ إذًا»، فهُو كثيرُ المحامِدِ عليه الصَّلاة والسَّلام، كثرت خصاله المحمودة.

وثنَّى الناظم بالصلاة على النبي ﷺ لأنَّ الله سبحانه وتعالى قد قرَن اسمَه باسمه في مواضع كثيرة، قرَن طاعته بطاعته {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، وفي التوحيد: (أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) في الأذان وفي الصلاة وفي مواضع كثيرة.

فلهذا في الخطبة الارتجالية وفي التصنيف يجمع بين (الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله) ولأنَّ هذه هي السنة الواردة كما في أحاديث عدّة عن جابر وعن غيره.

ثمَّ ذكر الناظم  رحمه الله  صفة النبي ﷺ.

قوله: (خير نبي أرسلا) فهو خير الأنبياء والمرسلين، كما قال: «أنا سيد ولد آدم» وقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة» [متفق عليه عن أبي هريرة  رضي الله عنه ] وهو خير بني آدم، وقال بعضُهم: هو خير الخلق، وقد عبَّر بهذا كثيرٌ من أهل العلم.

وهو ﷺ نبيٌّ ورسول، كما جمع له الناظم بين ذلك، وقد ذُكر كلام كثير في الفرق بين النبي والرسول ومن أحسَنه: أنَّ مَن نبّأه الله فأخبره بأمره ونهيه ليُعلم الناس ويجدّد رسالة من قبله مِن الرُّسل أو من الأنبياء دون أن يُبعث إلى قوم كفرة يعني مخالفين لرسالات الله سبحانه وتعالى فهذا نبيّ نبأه الله أن يعلم الناس ويجدِّد معالم نبي قبله أو رسول قبله.

فإنْ نُبّئ وأرسل أيضًا إلى مخالفين لم يكن عندهم رسالة فهو رسول.

وهذا من أحسن ما قيل على ما حرَّره شيخُ الإسلام  رحمه الله  في كتابه «النبوة والنبوَّات»، وهناك أقوال غير هذا.

ثمَّ قال  رحمه الله  (وذي من أقسام الحديث عده).

قوله: (وذي) حذف الهاء، وهي اسم إشارة يقال: ذا وهذا وذي وهذي، من أجل أن يتمَّ له النظم ولا ينكسر حذف الهاء وقال: (وذي).

وأشار إلى الأقسام التي في ذهنه يريد أن يكتبها ويبيّنها للطلاب.

(منَ اقسام) أصلها منْ أَقسام حذفنا السكون على النون ونقلنا الفتحة وسهّلْنا الألف فصارت (وذي مِنَ اقسام) لا تقُل: (وذي مِن أَقسام الحديث) فتقطع الهمزة، لا يصلُح لأنه ينكسِر البيت.

قوله: (من أقسام الحديث عدة) عنى  رحمه الله  بالأقسام الأنواع التي تدخل تحت القسم. والتقسيم: التجزئة. والقِسْم ما اندرج تحتَ شيء فهو أخصّ منه، قِسْم مما قبله، أخصّ مما قبله.

والأكثرون على أنَّ أقسام الحديث ثلاثة، مِن حيث التقسيم الكُلّي: صحيح وحسن وضعيف، وسائر الأنواع ترجع إليها يعني ضعيف مسلسل وحسن مسلسل أو صحيح مسلسل وهكذا يكون فيه كل الأنواع أنواع علوم الحديث ترجع هذه.

فقوله: (وذي من أقسام) أي الأنواع أراد الأنواع المندرجة تحتَ الأقسام والتي تُذكر في مصطلح الحديث. وعبّر عن الأنواع بـ: الأقسام. وإلا فالأكثر أنَّ أقسام الحديث ترجع إلى ثلاثة.

وقوله: (عدة): شُرّاح هذه المنظومة منهم مَن عدَّها أربعة وثلاثين ومنهم مَن عدّها أقل من هذا، من أين جاء الخلاف؟ مِن جَعْل النوعين نوعًا يعني هو ذكر العالي والنازل فمن عدَّهما نوعين زاد العدد، ومَن عدّهما نوعًا واحدًا قلَّ، وهكذا: المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، الأقران والمدبج. ولـهذا إذا جمعنا هذه الأنواع فعدَّة ما في هذه المنظومة من أنواع: واحد وثلاثين نوعًا أو حسب تعبير الناظم (قِسْما) من أقسام الحديث وإن كنا نقول هو يريد الأنواع.

(من أقسام الحديث عدة) يعني واحد وثلاثين نوعًا إن شاء الله ندرسها متتابعة متتالية متوالية، وأنواع علم الحديث كثيرة نصَّ الحافظُ ابنُ الصَّلاح في علوم الحديث على (خمسة وستين) وذكر هو أكثر من هذا العدد لأنه ربما ذكر النوع في تضاعيف نوع أو جمع بين النوعين، ومنهم مَن زاد عليها أيضًا، كالبلقيني وابن حجر، ومِن آخرهم السيوطي حتى أوصلوها إلى مئة نوع، كما تراه في «البحر الذي زخر» للسيوطي.

قوله: (الحديث) الحديث لغة ضد القديم. ويُطلَق على الخبر، لأنه يُنقل بعدَ حدوثه شيئًا فشيئًا سواء كان كثيرًا أو قليلًا، يُنقل بعد حدوثه إلى الآخرين.

والمقصود بالحديث هنا: حديث رسول الله ﷺ بالأصالة وإن كان أيضًا يدخُل تحته حديث غيره، سواء من الصحابة وهو الموقوف، أو غيرهم من التابعين فمن دونهم وهو: المقطوع.

بل قد ورد تسمية القرآن بالحديث كما قال تعالى: {الله نزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيْث} وقال تعالى: {مَا يأتيْهم مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهم مُحْدَث}.

واشتهر إطلاق الحديث على ما يُضاف إلى النبي ﷺ وإنْ كُنّا نقول: علوم الحديث، ونذكُر أنواعًا أخرى.

قال شيخُ الإسلام: «هو عند الاطلاق ينصرف إلى ما حُدِّث به عن النبي ﷺ بعد النبوّة مِن قوله أو فعله أو إقراره، فإنَّ سنته ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة». [انظر: «قواعد التحديث» (61) و «التدريب» (1/ 27)، و «النزهة» (52)].

وقال ابن حجر: «المراد بالحديث في عرف الشرع: ما يضاف إلى النبي ﷺ. [نقله السيوطي في «التدريب» (1/29)].

وقال السخاوي : «الحديث اصطلاحًا: ما أُضيف إلى النبي ﷺ قولًا له أو فعلًا، أو تقريرًا، أو صِفَة، حتى الحركات والسّكنات في اليقظة والمنام». «فتح المغيث» (1/ 8).

وأما: عِلم الحديث فقد عرّفناه في المقدّمات التي سبقت.

قوله: (عدة) العِدَّة: بالكسر القِطْعة من الشيء. وأما بالضّم فهو ما يُعدّ للأمر الجلل أو الأمر الذي يحدُث، كما في قوله: {ولَوْ أَرادُوْا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدّةً}.

لكن أراد هنا: القطعة من الشيء، أو الجماعة من الشيء، تقول: عِدّتُهم كذا وكذا وتشدِّد، أما: العِدَة بالتخفيف فمِن الوَعْد.

وقوله: (وكل واحد) أي من الأقسام الآتية (أتى وحده) فهذا أمران:

1- أتى هو -أي النوع- أي بلقَبه، كيف أتى بلقبه؟ يعني مثلًا يقول: المرفوع، الموقوف، المرسل، ... الخ. هذه ألْقاب وأسماء، الصحيح: لقب، والحسن: لقب، والموضوع: لقب.

مثلا: قوله (وما أضيف للنبي المرفوع) ما اسمه؟ ما لقبه؟ المرفوع، هذا قسم.

(وكل واحد أتى) أي بلقبه باسمه الذي يُعبّر أصحاب المصطلح به: عنه.

وهل يَكتفي الناظم بالاتيان به، أي: بمجرَّد اللقب، كما هي حال بعض المنظومات مثل منظومة «غرامي صحيح» وبعض المنظومات، حيث يذكُر الناظم اللقبَ فقط ولا يُعرِّفه.

2- الحديث، وهو التعريف، تعريف ذلك القسم.

مثلا: (وما أضيف للنبي المرفوع) هذا قسم جاء بأمرين:

- ما هو الأمر الأول؟ بلقبه باسمه (المرفوع).

- الثاني: جاء بحده.

والأصل في الحدّ أن يجمَع ويَمنع، هذا عند كثير منهم، ونعم الحدّ نريد أن نعرف بالحد الحقيقة، لكن لا يُشترط أن يكون فيه الفصل الجنس والجمع والمنع على حد اشتراط المناطقة، هذا ما نحتاج إليه، إذا حصل التمييز بين النوع والنوع الأخر بالعبارة فقد فُهم المعنى، ولهذا يُقال الحد كـ الاسم إذا حصَلَ به التمييز فلان بن فلان كفى، وهكذا الحدّ إذا حصَلَ به التمييز عن غيره، إن شاء الله نكتفي بهذا.

قوله (أتى وحده): إما بالحد الجامع المانع، أو بالحد بالرسم، أو حتى الحد بالمثال، لأنَّ الحدّ قد يكون مثلًا بذكر الثمرة كما نقول: الواجب هو: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، هذا حد بالثمرة، لأنَّ الواجب ما يؤمر به أو يُطلب على سبيل الإلزام بالفعل.

وقد يُحد الشيء بالمثال كما تقول: الواجب مثل الصَّلاة، فيتكوَّن عند السامع معرفة تقريبية للشيء، يفهم بالمثال ويتصور عنه إلزام كما أنه يلزم المسلم أن يصلي.

والناظم عنده هذا وهذا.

قوله: (وحده) الحد لغة: المنع سُمّي كذلك لأنه يمنع من اختلاطه بغيره، ويقصد به: التعريف، والتعريف: هو المعرِّف. والمعرِّف: هو الجامع لجميع أفراد المعرَّف المانع لدخول ما سواه، وهذا أحسن شيء إذا وجد، فيكون تعريفًا جيدًا مطابقًا.

والحدود التي في المنظومة:

1- الحد الجامع المانع: كما في الصحيح، والمدبّج، وغيرهما.

2- بالتقسيم: كالمدلّس، قال: (وما أتى مدلسا نوعان)، والمقلوب (والمقلوب قسمان تلا).

3- بالمثال: كما في المعنعن. قال: (معنعن كعن سعيد عن كرم).

4- بالرسم: كما في المرسَل، قال: (ومرسل منه الصحابي سقط). عرّفه بخاصيّة أو أمر واضح فيه وهو عدم ذكر طبقة الصَّحابة التي تنقُل الحديث عن النبي ﷺ، وإنما ذُكرت طبقةٌ أنزل أضافتْ المرويَّ إلى النبيِّ ﷺ.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح